السيد محمد حسين فضل الله
49
من وحي القرآن
الصوم وحدود العلاقات الجنسية في شهر رمضان في هذه الآية تحديد للأوقات التي تحرم فيها العلاقة الجنسية على الصائمين . فقد ورد في بعض الأحاديث أنها كانت محرمة عليهم في الليل والنهار ، وكان هذا التحريم حرجا عليهم حتى أن بعض الشباب كانوا يمارسونها سرا في الليل ، فيجدون في أنفسهم الشعور المهين بالخيانة . فجاء هذا التحليل في هذه الآية ليرفع ذلك عنهم ، في ما يأتي ، ويتوب عليهم ويعفو عنهم في ما مضى . وربما كان في جو الآية - كما ورد في أسباب النزول - ما يوحي بالتشجيع على هذه الممارسة ، من أجل أن يفرّغ الصائمون أنفسهم من كل المشاعر الشهوانية التي تثقل وجدانهم ، فتشغلهم عن روحانية الصوم وأسلوبه العملي في التربية على التقوى ، لأن اللّه لا يريد للتقوى أن تتحرك في حياة الإنسان على أساس منهج القسر والضغط والشدة ، الذي لا يترك مجالا للإنسان ليتنفس أو ينفتح أو يواجه الموقف من موقع الطبيعة البشرية ، بل أرادها أن تنطلق على أساس الإرادة المرتكزة على الانفتاح على الشهوات من بعض الجهات ، لتنغلق عنها في الأخرى التي حرمها اللّه ، فيكون الالتزام بخط التحريم قريبا إلى طبيعة الإنسان في حركته في صعيد الواقع . وفي ضوء هذا ، كان الصوم في النهار أسلوبا واقعيا عمليا ، لأنه لا يشل الحاجة الغريزية في الإنسان تماما ، بل يترك لها المجال لتشبع جوعها في الليل . وبهذا جاءت الفقرة القرآنية في قوله تعالى : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ للإيحاء بشدة العلاقة التي تربط الرجل والمرأة ببعضهما البعض ، مما يوجب قلة الصبر عن الامتناع والاجتناب عن الحاجة الجنسية لأحدهما تجاه الاخر . وقد كنى عن الجماع بالرفث ، لأن الرفث هو الإفصاح بما يجب أن